فخر الدين الرازي
642
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يملكه ، فإن الإنسان إذا كان في البلاد الشديد ثم رآه عدوه على تلك الحالة كان ذلك في نهاية الشدة عليه . الصفة الرابعة : قوله : يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المجرم هو الكافر ، وقيل : يتناول كل مذنب . المسألة الثانية : قرئ يَوْمِئِذٍ بالجر والفتح على البناء لسبب الإضافة إلى غير متمكن ، وقرئ أيضا : مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بتنوين عذاب ونصب يومئذ وانتصابه بعذاب لأنه في معنى تعذيب . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ( 13 ) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) وقوله تعالى : وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فصيلة الرجل ، أقاربه الأقربون الذين فصل عنهم وينتهي إليهم ، لأن المراد من الفصيلة المفصولة ، لأن الولد يكون منفصلا من الأبوين . قال عليه السلام : « فاطمة بضعة مني » فلما كان هو مفصولا منهما ، كانا أيضا مفصولين / منه ، فسميا فصيلة لهذا السبب ، وكان يقال للعباس : فصيلة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن العم قائم مقام الأب ، وأما قوله : تُؤْوِيهِ فالمعنى تضمه انتماء إليها في النسب أو تمسكا بها في النوائب . وقوله : ثُمَّ يُنْجِيهِ فيه وجهان الأول : أنه معطوف على يَفْتَدِي [ المعارج : 11 ] والمعنى : يود المجرم لو يفتدي بهذه الأشياء ثم ينجيه والثاني : أنه متعلق بقوله : وَمَنْ فِي الْأَرْضِ والتقدير : يود لو يفتدي بمن في الأرض ثم ينجيه ، و ثُمَّ لاستبعاد الإنجاء ، يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ، ثم ينجيه ذلك ، وهيهات أن ينجيه . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 15 إلى 16 ] كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) كَلَّا ردع للمجرم عن كونه بحيث يود الافتداء ببنيه ، وعلى أنه لا ينفعه ذلك الافتداء ، ولا ينجيه من العذاب ، ثم قال : إِنَّها وفيه وجهان الأول : أن هذا الضمير للنار ، ولم يجر لها ذكر إلا أن ذكر العذاب دل عليها والثاني : يجوز أن يكون ضمير القصة ، ولظى من أسماء النار . قال الليث : اللظى ، اللهب الخالص ، يقال : لظت النار تلظى لظى ، وتلظت تلظيا ، ومنه قوله : ناراً تَلَظَّى [ الليل : 14 ] ولظى علم للنار منقول من اللظى ، وهو معرفة لا ينصرف ، فلذلك لم ينون ، وقوله : نَزَّاعَةً مرفوعة ، وفي سبب هذا الارتفاع وجوه الأول : أن تجعل الهاء في أنها عماد ، أو تجعل لظى اسم إن ، ونزاعة خبر إن ، كأنه قيل : إن لظى نزاعة والثاني : أن تجعل الهاء ضمير القصة ، ولظى مبتدأ ، ونزاعة خبرا ، وتجعل الجملة خبرا عن ضمير القصة ، والتقدير : إن القصة لظى نزاعة للشوى والثالث : أن ترتفع على الذم ، والتقدير : إنها لظى وهي نزاعة للشوى ، وهذا قول الأخفش والفراء والزجاج . وأما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه أحدها : قال الزجاج : إنها حال مؤكدة ، كما قال : هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً * [ فاطر : 31 ] وكما يقول : أنا زيد معروفا ، اعترض أبو علي الفارسي على هذا وقال : حمله على الحال بعيد ، لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال ، فإن قلت في قوله : لَظى معنى التلظي والتلهب ، فهذا لا يستقيم ، لأن لظى اسم علم لماهية مخصوصة ، والماهية لا يمكن تقييدها بالأحوال ، إنما الذي يمكن تقييده بالأحوال هو